أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
348
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : مذهب الكوفيين ، وهو أن « ابْنَ » مضاف ل « أُمَّ » ، و « أُمَّ » مضافة لياء المتكلم وياء المتكلم قد قلبت ألفا ، كما تقلب في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ، نحو : يا غلاما ، ثم حذفت الألف واجتزىء عنها بالفتحة ، كما يجتزأ عن الياء بالكسرة ، فحينئذ حركة « ابْنَ » حركة إعراب ، وهو مضاف ل « أُمَّ » فهي في محل خفض بالإضافة . وأما قراءة الكسر فعلى رأي البصريين هو كسر بناء ، لأجل ياء المتكلم ، بمعنى أنا أضفنا هذا الاسم المركب كله لياء المتكلم فكسر آخره ، ثم اجتزىء عن الياء بالكسرة ، فهو نظير : يا أحد عشري ، ثم يا أحد عشر ، بالحذف ، ولا جائز أن يكونا باقيين على الإضافة ، إذ لم يجز حذف الياء ، لأن الاسم ليس منادى ، ولكنه مضاف إليه المنادى ، فلم يجز حذف الياء منه . وعلى رأي الكوفيين يكون الكسر كسر إعراب ، وحذفت الياء مجتزأ عنها بالكسرة ، كما اجتزىء عن ألفها بالفتحة . وهذان الوجهان يجريان في ابن أم وابن عم ، وابنة أم وابنة عم . واعلم أنه يجوز في هذه الأمثلة الأربعة خاصة خمس لغات ، فصحاهن حذف الياء مجتزأ عنها بالكسرة ، ثم قلب الياء ألفا ، فيلزم قلب الكسرة فتحة ، ثم حذف الألف مجتزأ عنها بالفتحة ، ثم إثبات الياء ساكنة أو مفتوحة . وأما غير هذه الأمثلة الأربعة مما أضيف إلى مضاف إلى ياء المتكلم في النداء ، فإنه لا يجوز إلا ما يجوز في غير باب النداء ، لأنه ليس منادى ، نحو : يا غلام أبي ، ويا غلام أمي . وإنما جرت هذه الأمثلة خاصة هذا المجرى تنزيلا للكلمتين منزلة كلمة واحدة ، ولكثرة الاستعمال ، وقرىء « يا ابن أمّي » بإثبات الياء ساكنة ، ومثله قوله : 2316 - يا ابن أمّي ، ويا شقيّق نفسي * أنت خلّفتني لدهر شديد « 1 » وقول الآخر : 2317 - يا ابن أمّي ، فدتك نفسي ومالي « 2 » وقرىء أيضا « ابن إمّ » بكسر الهمزة والميم ، وهو اتباع . ومن قلب الياء ألفا قول الآخر : 2318 - يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي « 3 » وقوله : 2319 - كن لي ، لا عليّ يا ابن عمّا * ندم عزيزين ونكف الدّما قوله : فَلا تُشْمِتْ العامة على ضم التاء وكسر الميم ، وهو من « أشمت » رباعيا ، « الْأَعْداءَ » مفعول به . وقرأ ابن محيصن « فلا تشمت » بفتح التاء وكسر الميم ، ومجاهد بفتح التاء أيضا وفتح الميم ، « الْأَعْداءَ » نصب على المفعول به . وفي هاتين القراءتين تخريجان . أظهرهما : أن « شمت » ، أو شمت « بكسر الميم ، أو فتحها ، متعد بنفسه ، ك « أشمت » الرباعي ، يقال : شمت بي زيد العدوّ ، كما يقال : أشمت بي العدوّ . والثاني : أن « تُشْمِتْ » سند لضمير الباري تعالى ، أي : فلا تشمت يا رب ، وجاز هذا كما جاز « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » « 4 » ، ثم أضمر ناصبا للأعداء ، كقراءة الجماعة ، قاله ابن جني . ولا حاجة إلى هذا التكلف ، لأن « شمت »
--> ( 1 ) البيت لزبيد الطائي انظر الكتاب ( 2 / 213 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 12 ) ، الهمع ( 2 / 54 ) ، التصريح ( 2 / 179 ) ، الأشموني ( 3 / 157 ) ، اللسان ( شق ) . ( 2 ) لم نعثر عليه . ( 3 ) البيت لأبي النجم العجلي وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 214 ) ، المقتضب ( 4 / 252 ) ، المحتسب ( 2 / 238 ) ، الخزانة ( 1 / 364 ) ، التصريح ( 2 / 179 ) ، الدرر ( 2 / 70 ) ، الهمع ( 2 / 54 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 15 ) .